مجد الدين ابن الأثير
256
المختار من مناقب الأخيار
الثّوريّ : وا حزناه . فقالت : لا تكذب . قل وا قلّة حزناه ، لو كنت محزونا ما هنّاك العيش « 1 » . وقال جعفر بن سليمان : سمعت رابعة تقول لسفيان : إنّما أنت أيام معدودة ، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك ، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكلّ ، وأنت تعلم ، فاعمل « 1 » . وقالت عبدة بنت أبي شوّال ، وكانت من خيار إماء اللّه ، وكانت تخدم رابعة ، قالت : كانت رابعة تصلّي الليل كلّه ، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلّاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر ، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها وهي فزعة : يا نفس كم تنامين ؟ وإلى كم تقومين ؟ يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلّا لصرخة يوم النّشور . قالت : وكان هذا دأبها دهرها حتى ماتت ، فلمّا حضرتها الوفاة دعتني ، فقالت : يا عبدة ، لا تؤذني بموتي أحدا ، وكفّنيني في جبّتي هذه ، جبّة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون ، قالت : فكفّنّاها في تلك الجبّة وخمار صوف كانت تلبسه . قالت عبدة : ورأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حلّة إستبرق خضراء ، وخمار من سندس أخضر ، لم أر شيئا قطّ أحسن منه . فقلت : يا رابعة ، ما فعلت الجبّة التي كفّنّاك بها ، والخمار الصّوف ؟ قالت : إنّه - واللّه - نزع عنّي ، وأبدلت به هذا الذي ترينه عليّ ، وطويت أكفاني وختم عليها ، ورفعت في عليّين ليكمل لي بها ثوابها يوم القيامة . فقلت لها : ألهذا كنت تعملين أيام الدّنيا ؟ فقالت : وما هذا عندما رأيت من كرامة اللّه عزّ وجلّ لأوليائه ! قلت : فما فعلت عبيدة « 2 » بنت أبي الكلاب ؟ فقالت : هيهات هيهات ، سبقتنا واللّه إلى الدّرجات العلى . قلت : وبم ، وقد كنت
--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 29 . ( 2 ) في ( ب ) : « عبدة » ، وكذا هي في صفة الصفوة 2 / 30 ، وهو تصحيف ، وانظر ترجمتها صفحة 270 من هذا الجزء .